التصنيفات
كتبتُ يومًا على حائط فيسبوك، حين كان فعلًا حائطًا، مقولةً لـمحمود درويش:
“سأصير يومًا ما أريد.“
….ردت عليّ صديقتي: “مقولة يرددها طفل أو شاب، أما أنتِ… والعمر يكاد ينتهي.”
مضت أكثر من عقد على هذا الرد… حتى أني أنهيت اشتراكي بالفيسبوك وأسقطت حائطه… لكنني لم أشعر بقسوة كلماتها وحدّتها إلا أمس، وأنا أعدّ أحلامي التي افلتت من يدي. أعيد عدها مرة بعد أخرى، فتنساب وتسقط، واحدة تلو الأخرى.
طوال السنوات الماضية، أجلس هنا، في هذه البقعة المنسية، أرسم أحلامي، وأستيقظ باكرًا لاهثةً خلفها، لكن عبثًا أحاول.
حتى إنني هذا الصباح، عندما فتحت مذكرتي لأرتب مهامي وما أريد إنجازه اليوم، ابتسمت ساخرة وقلت لنفسي: وماذا أريد يا بشرى؟ سأصير يومًا ما أريد… ماذا؟
لم نعد، في عالم سُلبنا فيه من كل ناحية، قادرين حتى على التفكير أو تقرير ما نريد.
فما الإرادة أصلًا؟
لم أعد أريد سوى التلاشي… أن أتلاشى تمامًا كما تتلاشى أحلامي. أن أتلاشى من هذه البقعة المنسية، المسلوبة الإرادة، حيث يبقى سؤا ل ماذا أريد؟ ضربا من الخيال، ويغدو الوصول إلى إجابته محالًا.
أنا لا شيء… ولا أريد شيئًا.
أصحو كل يوم مكبلة بالسوء الجاثم على قلبي. نعم، لقد مسّني السوء، وتمكن مني.
حتى إن صخرة سيزيف التي حملتها يوما على ظهري، متحدية الجميع وأنا أصعد بها، لم تعد على ظهري، بل استلقت على صدري، هي والسوء معًا، تضغطان على أنفاسي وتخنقان قلبي.
ما يقلقني حقًا هو أن تستمر حالة التلاشي هذه، وأن يلازمني هذا الشعور إلى الأبد.
لم أعد أعرف ماذا أريد.
ماتقييمك لهذا المنشور !
قرأت التدوينة وشعرت بها بعمق حتى إنني عدت إليها أكثر من مرة محاولةً تخيّل المشاعر التي تقف خلفها.
وقد جعلني التساؤل أفكر: حين تتحدانا الحياة بما هو خارج عن إرادتنا وبقسوة لا نملك أمامها الكثير، لماذا يكون أول ما يخطر ببال الإنسان هو المقاومة؟
ولماذا نصرّ أصلًا على أن نصبح شيئًا أو نصل إلى شيء في الوقت الذي تعاكسنا فيه الظروف بهذه القسوة؟
قد يكون التأمل في ذاته رحمة واستشعارًا لوجود الله وقربه، لكنه قد يتحول أحيانًا إلى عبء حين يقترن بفكرة أن شيئًا ما لا بد أن يتغير يومًا ما. في اعتقادي الأمل قد يمنحنا القدرة على الاستمرار، لكنه قد يجعلنا أيضًا أكثر تعلقًا بما لا نملك ضمان تغيّره.
وأظن أن الإنسان حين يمر بظروف قاسية كهذه يجد نفسه أمام أكثر من طريق إما أن يتقبل أو أن يواصل المحاولة والتأمل والرجاء أو أن يستسلم.
وإذا فكرت في نتيجة كل طريق، فأعتقد أن النتائج ستكون مختلفة حتمًا لكن ما يختلف أكثر هو مقدار القوة النفسية التي يتطلبها كل اختيار وما يتركه في الإنسان من أثر.
أتمنى من كل قلبي أن تلين لك الحياة وأن يفتح الله لك من أبواب رحمته من حيث لا تحتسبين.