التصنيفات
يبدوا كل شيء رتيبا كم اعتدته مع ساعات الفجر الأولى .. أفتح نافذتي المتوسطة للمكتب .. أطل برأسي على الزقاق الترابي، نفس المشهد لم يتغير.. كل شيء كما هو منذ أكثر من عقد من الزمن .. همس وقع أقدام المصليين وهما عائدون من الجامع .. سيارة جارنا الذي يدير محركها قبل ما يقارب نصف ساعة من انطلاقه في الطريق لوجهته ..صوت محركه يملأ الحي ببطء وأفهم منها أن يوما أخر قد بدأ دون أن يتغير شيء… أشرع نافذتي … مشهد الطوب الخرسانية المتماثلة أمامي وانا أشيح بوجهي للسماء مناشدة أحلامي المستحيلة … ويبدأ على أثرها هذا الانتظار الصباحي نحو الأمل ، الحب ، الحياة ، نحو الوصول التي استحال مستحيلا لطول المسافة و الانتظار.. فرغم هذا المجهول الذي أخطو فيه كل يوم، تظل يد خالد ابن الجيران وهيا تمتد عند التاسعة صباحا مشرعة نافدة صالة منزلهم. الانتظار الوحيد الذي يتحقق في موعده كل يوم .. لأتدارك بدوري على قفل نافذة أحلامي .. فالحياة هنا في هذه البقعة المنسية من الخريطة لا تحتمل نافذتين مشرعتين في الوقت نفسه .. نحن نتناوب الضوء كما نتناوب الأمل . كما نسند بعضنا في هذه الطريق كي نعيش كي نكون قادرين على البقاء والاستمرار
وما لا يتسع له البيت الذي يضيق على أحلامنا .. يفيض في الخارج .. ويمتد هناك في طوابير طويلة وصفوف لا تفتح فيها نافذة لأحد ولا يغلق فيها باب على أحد لأن الجميع مكشوفين بالقدر نفسه .. نهرول في طريق الطوابير الطويلة الممتدة لغاياتنا المجهولة ونحمل معنا انتظارنا كله حين تسلل إلى الطريق نفسها.
أشد رحالي في هذه الطريق داخل هذه البقعة المنسية .. وأجمع أحلامي وغاياتي ومبادئ في زوادتي وأرميها على كتفي رغم قلة حيلته فيتهاوى ساقطا على جنب من ثقل الحمل .. وأجد نفسي أمشي وأنتظر ويتحول الطريق الى طابورا أخر بلا ترتيب واضح .. وانتظر.
من بعيد يبدوا كل شيء رتيبا .. الطرق متصلة والخطوط متشابكة والحياة مستمرة منذ ساعات الفجر الأولى ومنذ أن فتح خالد نافذة صالتهم وهرعت أنا لأبدا رحلتي بعيدا عن النوافذ والأبواب .. لكني أتفاجأ بأن الطريق غير متساو والخطوط غير عادلة والوصول الى مبتغاي ليس حقا .. ولكنه امتياز تتقدمه النوافذ المفتوحة .. ولهذا تقف هذه السبهاوية هنا في منتصف الطريق بجسد متهدل قارب على الأربعين .. وزوادة تثقل أكتافها وتخل توازنها في طريق طويل ومحطات انتظار تبحث عن نوافد مشرعة.
انتظر في الطريق وانا استذكر صوت عمي حين كان مفترش الأرض مع أصحابه بزاوية الزقاق.. وقفت بجسدي على نافذة الغرفة في طفولتي .. طفلة لم تتجاوز الثانية عشر بعد. يصلني هديره وهو يصيح علي ويهدر من بين ضجيج رفاقه .. كنت أمام النافذة أقف على أمل وعلى حياة أتطلع لعيشها دون انتظار .. أقف بكل خفتي اتكأ بمرفقي على النافذة وعيناي تجوبان الأفق وترسم الأحلام والطريق في خطوط واضحة ومستوية.. يصلني صوت عمي وهو يهدر بقوة دون كلمات واضحة بخشونة أصوات تخبرك بأن الطريق انتهى وأن أغلق النافذة وأتوارى .. لم استوعب هذا الهدر حينها .. ولكن حين أغلقت النوافذ وبقيت هنا أتوارى في طوابير الانتظار.. يٌفتح لي الطريق قليلا، ثم يُغلق ببطي، أحيانا بأصوات تهدر وأخرى بسياط تجلد، و بجملة كفاية لعند هنا.
ولهذا كبرت هنا وانا انتظر في الطريق وفي طوابير ممتدة لا نهاية لها. انتظر دورا لا أعلم يقينا متى يأتي وأهرول تارة واهجع للمشي أخرى .. ربما ان وصلت يوما هنا ووقفت بجانبي على عتبة هذه البقعة المنسية يتضح لك كيف ان طوابير الانتظار هنا في الجنوب ليست بخطوط مكانية محددة وملموسة … ستعرف من يقف بالأمام ، ومن يقف بالخلف … ومن يستطيع أن يتجاوز ومن عليه أن ينتظر بصمت …ومع هذا فالعزاء الوحيد لدينا ان هذه الطرق لا تخنق أحلامنا كما تفعل بنا النوافذ حينا تقفل وهيا تلطم أصداغنا .. الطرق هنا ممتدة نمشيها ونحن واقفون … ونقف فيها ونحن نتحرك . وفي أثناء ذلك ينساب الزمن وينزلق تحت أقدامنا ونحن ننتظر.
النهايات الحتمية في هذه الطرق محددة مسبقا .. كأن تقفل النافدة وتواري جسدك من الانكشاف على الضوء القادم في وضح النهار .. وتتواري معها أحلامك وأمالك وطموحك وكل ما ترغب وتنصاع اضطراريا الى نهايات حتمية محدد مسبقا بقوة جمعية .. نهايات رصدت لنا في الطريق كي نتهاوي فيها ونختفي ونسقط فيها واحدة تلو الأخرى وفقا لدورنا .. وحين لا يسمح لنا ان نختفي خلف هذه النهايات وفي أثناء ذلك نعلل نفسنا بالانتظار .. أن يأتي دورنا في الفرح أو في الاستقرار او الطمأنينة أو في أي من هذه النهايات الحتمية المنصوبة كفخاخ على قارعة الطريق لنتهاوى داخلها وننسى .
وفي كل صباح أعود إلى الطريق .. أهرول.. امشي .. أقف .. أتمدد .. أتكور على نفسي .. وأهدر عاليا أن أعيش أن أعيش هذا كل ما أريد … أعيش هذه الخطوط الممتدة وأعيش الانتظار المتلبس بها .. ولأنني لا أصل أمشي ولأنني أمشي يتحول الانتظار الى طريق طويل … هنا على حافة البقعة المنسية يبدوا كل شيء رتيبا، أقطع طريق أطول من المسافة وانتظر ، وفي أثناء ذلك أبتكر طرقا للعيش .
ماتقييمك لهذا المنشور !
اترك تعليقاً