التصنيفات
أجلس بمكتبي كعادتي في ساعات الظهيرة. أودّع اليوم عامًا آخر، أنعزل فيه على ذاتي، في مساحة تضيق على أحلامي، لكنها تنفذ بخجل نحو الانعتاق عبر النافذة المتوسطة للغرفة أمام طاولتي. أنقر بثبات على لوحة المفاتيح، ويتكئ اللابتوب على مسندة مرتفعة للتوافق مع ألم ظهري، وتريحني باستنادة مثالية لظهري ورقبتي في العمل لساعات طويلة خلف شاشة اللابتوب ينقضي ديسمبر، وينقضي معه العام، وألحظ أن حياتي جامدة خلف لوح شاشة اللابتوب. أحتضن الحروف واحدًا تلو الآخر، حينًا بالإنجليزية وأخرى بالعربية، وأرسل أحرفي وردودي عن بُعد… كلّها عن بُعد.
أكثر من ثمانية أعوام مرّت، كل الأعمال تُدار عن بُعد. أمرٌ مقلق، وليس جميلًا كي أمتدحه لكم؛ لأني حقًا، في العام الماضي، بتّ أبحث عن فرصة للخروج من هذه الصومعة. غير أني اكتشفت أن لا حياة بالخارج، وأن هذه الحياة التي تُدار عن بُعد أجمل بكثير من تلك التي نواجهها في الطرقات والأزقّة، ونحن لاهثون خلف طوابير طويلة للوصول إلى مبتغانا، أيًّا يكن مبتغانا، وإن كانت الحلوى الموجودة أمام كاشيير السوق.
تدخل أمي مكتبي في منتصف الظهيرة، والبرد يجتاح كفّيها، وتمُدّ لي لفّة خيوط الكليم والصوف لتسألني أيّ الألوان يتماشى مع الآخر. تقضي أمي يومياتها في غرفة المعيشة بالطابق الأرضي. تحيك الخيوط على مهل، صامتة، مركّزة، وكأن الوقت يمشي بإيقاع يديها. تعقد الخيوط وتشكّلها. تبدو وحيدة من بعيد، لكنها ترافق وحدتها بصبر على هذه الخيوط المتداخلة، وهي تحيكها بإبرة الكروشيه. هناك، في زاوية غرفة المعيشة، هذه الوحدة التي تحاوطها أعمق من كل انشغالاتنا المتراكمة، وأصدق من ضجيجنا اليومي. تجلس وحدها، بينما أمرّ من حولها مثقلة بالكلام، بالجُمل التي لا تُنقذ شيئًا، وبالقبح الذي لا يُنتج سوى إهدار الوقت.
أقضي يومي هنا في مكتبي، أخبط في الحروف، تتبعثر مني الكلمات، وتتفلّت الأفكار. أتنفّس، وألتفت، وألحق أمي، أراقبها وهي تنسج الخيوط. أجلس بجانبها متخلّية عن كل شيء. تنسج خيوطها بجانبي، تنسجني أنا، وتفرش تحت خطاي خيطًا ثابتًا، أنسج عليه كلماتي وأنا ممسكة بطرفه، ورأسه معقود بإبرة الكروشيه بين أناملها. وأنا بجانبها أتعلم كيف أكتب نفسي، وكيف أعيش في صمت دون صخب.
أترك التزاماتي وحُمّى المواعيد النهائية المتراكمة، وفوضى الأحلام المتبعثرة، وأجلس بجانب أمي بقلبي المنفرد، وأتنشّق بركتها وبخور الجراريم المنبعث من بين أنفاسها. ورغم اختناقي بروائح البخور غالبًا، فإن بخور أمي يشبه رائحة البيوت القديمة بدفئها؛ يختلط فيه الصوف والخشب، الصبر والدعاء. بخور أمي، بخور الجراريم، هو عبير الأبد، رائحة خمرة السعادة المعتّقة. الأحبّة هم رائحة، ورائحة أمي بركة.
البركة دائمًا لها رائحة. وسدّينا، جارتنا الطيبة، تدخل بيتنا ببركتها ودعائها السابق لخطواتها، تدخل علينا بطمأنينة. أُقبل عليها مرحّبة بالبركة التي تزورنا، وأحتضنها. “نسلم على النسوة الكبار بالضبوط، يعني بالحضن الخفيف”. تعيدني رائحتها في كل مرة أرحب بها وأتضبّطها إلى رائحة جدّتي صوفية، رحمها الله. وإن سألتني كيف يمكن لجارة أن تصير أمًّا إضافية، سأقول لك: هي طمأنينة سدّينا. ريحتها التي كانت سلامًا مضبوطًا، تحضنني برائحتها وبركتها، ودعواتها التي جعلتني مطمئنة أن هناك دائمًا من يحرسني من بعيد.
بعض الأحبة يعلَقون كرائحة، وديسمبر يعيد لي رائحة البرتقال العالقة بذاكرتي منذ عقدين من الزمن. تذكّرني بموعد قديم لا يُنسى؛ رائحة نظيفة، باردة، تفتح الذاكرة وتغلق السنة بهدوء. وفي كل مرة أتنشّقها أتذكّر أن كل الأشياء يمكن تركها، أو ربما يمكنها تركي، وأن على هذا القلب أن يمشي أخفّ وأنا أخطو لعام جديد. عام لا أطلب فيه سوى بركة أمي، رائحة جراريمها، وهمسات تسبيحها التي لا تغفو على فمها، ودعوات جارتنا سدّينا وهي ترتّلها ما ان تطأ قدماها عتبة بيتنا. هكذا أحب أن أخطو لعام جديد: أخف، أهدأ، متخلصة من ضجيج الأحلام الثقيلة، مستعدة أن أعيش البطء، وأترك البركة تحيط بي… بركة تشبه رائحة البرتقال، صادقة، قريبة، وكافية.
ماتقييمك لهذا المنشور !
كتاباتك جميلة كجمال روحك وابتسامتك ،خفيفة على القلب عند قراءتها، وهادئة كهدوئك💙جميلتي بشرى🥺😍♥️
كلماتك بحر يُغرق في عالم تنسي فيه الشعور مبيقيا شعور المتعة واللذة بالكلمات والتعابير.
ربي يحفظها و يرعاها ابله كلثوم و ان شاء الله عام سعيد مليان نجاج و سعادة يارب